رسالة الراعي الصالح


التفكير ليس ممنوعًا (١٤) | ما هي الحرية؟

في جلسة هادئة مع مجموعة من تلاميذي، سألتهم: ماهي الحرية؟
فأجابوا معاً: الحرية هي أن أفعل ما أريد، فكان ردي هو: هذا هو تعريف الأنانية، وليس تعريف الحرية؛ فأن أفعل ما أريده، متجاوزاً ما يريده غيري هو منتهى أنانية الانحصار في الذات، التي ترى مصلحتها ولذتها وفائدتها، وما يعود عليها بمتعتها وتحقيق رغباتها؛ دون أن تعطي أي تقدير لحاجة الآخر ومشاعره وحقه في الحياة وتحقيق وجوده هو أيضاً. وهذا هو سبب انهيار الحياة الزوجية ومن بعدها الحياة العائلية، لأن الجميع يبحثون عن ما يحقق رغباتهم، دون مراعاة رغبات وآدمية الأخرين؛ وهذا هو سبب الغش والخيانة والغدر بين الأصدقاء والسرقة والنهب بين الشركاء والمسئولين الحكوميين، والاستعلاء والتسلط من الكهنة والأساقفة على الرعية، وسائر أنواع الصراعات بين البشر؛ إنها الأنانية!

 يقولون في دراسات علم النفس أن الطفل يولد أنانياً، ويرى نفسه مركزاً للكون؛ بينما يرى غيرهم أن الطفل يرث صفات والديه بطريقة چ​ينية، ثم يتم تأكيد الاستعداد الوراثي من خلال التربية والمحاكاة، التي تجعل الطفل مرآة حقيقية لوالديه ولمجتمعه الصغير المحيط به، فلا أحد يولد أنانياً أو شريراً، ولكن الجميع يُورثون، ويُعلمون: أن يكونوا أنانيين كما كان الأخرين.

من يقرأ توراة وناموس موسى، يخرج بالانطباع الذي توارثته البشرية وساد مجتمعاتها: أن البقاء للأقوى؛ وبما أن الله هو القوة العظيمة التي لا يمكن تحديها، فقد قدم موسى النبي شريعة قمعية حاصرت حرية حركة الإنسان من جميع الجهات بعقوبات الشريعة الصارمة، التي نسبها للإله يهوه مع التهديد والوعيد بانتقامه من العصاة بالطوفان والنار والكبريت، فضلاً عن سيف الشريعة الذي لا يُقهر، ناهيك عن محرقة النار والشواء الأبدي غير المنتهي، أنه القمع بالخوف لمن يملك القوة الأقوى! وبنفس منطق الإخضاع بالخوف القمعي من الإله الأقوى، فقد طبق الشعب القديم وقلدته الأجيال من بعده مبدأ أن البقاء والسيطرة والاستعباد هو للأقوى، وأن العبودية والخوف هو للأضعف.

 أنها الأنانية وكراهية الآخر، التي بلورتها الشريعة في مبدأ "تحب قريبك وتبغض عدوك"، التي تعلمناها من نعومة أظافرنا على هذا النحو: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب؛ إنها الأنانية الصراعية التي لا تعرف معنى حق الآخر في الوجود والبقاء، ولا تعرف ما هي المحبة.

فهل كانت التوراة هي التي أرست مبدأ البقاء والتسلط للأقوى!؟ والعبودية والقهر للأضعف! وهل كانت التوراة هي المدرسة التي علمت البشرية الصورة التي انتهى إليها حال العالم بالحروب والصراعات، التي لم تكف وتهدأ على سطح الكرة الأرضية إلى يومنا هذا!؟

الحرية هي أن يحب الإنسان الحرية، وأن يسعى لتحقيقها، معنى يحب الإنسان الحرية أن يحبها لنفسه كما يحبها لغيره؛ أن يحب ويسعى لأن تسود الحرية على علاقته بغيره وعلاقة غيره به، كما أن تسود على العالم كله، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان الإنسان قد تحرر من أنانيته، وعرف معنى المحبة نحو الآخرين؛ فالحرية الكاملة لا تنفصل عن المحبة، ولا يمكن أن توجد بدونها، وهذا هو بيت الداء، وطريق النجاة، ليتحرر الإنسان من استعباد أنانيته له، وينفتح على المحبة وقبول الآخر. فلا حرية بغير المحبة، ولا محبة لا تطلب الحرية للآخرين، كما تطلبها لنفسها.

إن نقطة البداية لإعادة نشر الحرية بين البشر، هو وجود الإنسان الذي يرفض الأنانية بكل أبعادها، ويتجه بالمحبة نحو الآخرين، ينشرها ويعطيها ويمنحها ويوزعها عليهم؛ فيتعلم الآخرون المحبة ويذوقوها ويطبقوها مع غيرهم، وحينما يحب الناس بعضهم بعضاً، يطلبون لهم الحرية والخير الذي يطلبونه لأنفسهم، فتولد وتوجد مجتمعات الحب والحرية.

المشكلة العميقة التي نحن بصددها، أن الإنسان يولد وينشأ ويتربى مقيداً بالبغضة وبالأنانية، ويتعلم في البيت وفي المدرسة أن الأنانية هي الحياة، وهي طريقه للبقاء وللنجاح، وهكذا يمتد الصراع من جيل إلى جيل، ومن إنسان إلى إنسان على النحو الذي يراه البشر جميعاً واقعاً حياتياً لهم!

ومن هنا كان وعد المسيح للإنسان: أنه يستطيع ويريد أن يحرر الإنسان ويشفيه من الأنانية؛ بالمحبة التي يملكها والتي تفيض منه نحو الإنسان، وأن هذا هو الطريق الحق إلى الحياة الجديدة والفرح والسلام بين الناس.

"فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً." (يوحنا ٨ : ٣٦)

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "التفكير ليس ممنوعًا" اضغط على الرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/ThinkingNotForbidden.php

الأكثر مشاهدة