الرئيسية » غير مصنف » سبب آخر للتجسد

سبب آخر للتجسد

 إذ عرف الله أن الإنسان بطبيعته لم يكن في مقدوره معرفته لكي يستطيع أن يجد فائدة من وجوده في الحياة، لقد خلقه على صورة الكلمة حتى يستطيع بذلك أن يعرف الكلمة.

وبه يعرف الأب، أما هو فإذ احتقر هذه المعرفة هوى إلى العبادة الوثنية، تاركا الله غير المنظور واتبع السحر والشعوذة وذلك كله رغم إعلانات الله المتعددة عن نفسه.

1- وعندما خلق الله الضابط الكل الجنس البشري بكلمته، ورأى ضعف طبيعتهم، وأنها لا تستطيع من نفسها أن تعرف خالقها، أو تكون آية فكرة عن الله على الإطلاق، لأنه بينما هو (أي الله) غير مخلوق فقد خلقت الكائنات من العدم، وبينما هو روح لا جسد له فقد خلق البشر، بطريقة أدنى، في الجسد، ولأن المخلوقات لم تستطع بأي حال أن تدرك وتعرف خالقها- لهذا تحنن الله على الجنس البشري على قدر صلاحه، ولم يتركهم خالين من معرفته، لئلا يروا أن لا منفعة على الإطلاق من وجودهم في الحياة.

2- لأنه آيه منفعة للمخلوقات أن لم تعرف خالقها؟ أو كيف يمكن أن تكون عاقلة بدون معرفة كلمة (وفكر) الآب الذي أوجدهم في الحياة؟ لأنه أن كانت كل معلوماتهم محصورة في الأمور الأرضية فلا شيء يميزهم عن البهائم العديمة النطق. نعم ولماذا خلقهم الله لو كان لا يريدهم أن يعرفوه؟

3- وتفاديا لهذا أعطاهم الله بصلاحه نصيبا من صورته- ربنا يسوع المسيح- وخلقهم على صورته ومثاله، حتى إذا ما رأوا تلك الصورة أي كلمة الآب، استطاعوا أن يكونوا، استطاعوا أن يكونوا فكرة عن الآب، وإذا ما عرفوا خالقهم عاشوا الحياة الحقيقية السعيدة المباركة.

4- ولكن البشر في ضلالهم وتمردهم إذا تهاونوا- رغم كل هذا – بالنعمة التي أعطيت لهم، تركوا الله كليا، وأظلمت أنفسهم، لا بمجرد فكرتهم عن الله، بل أيضا باختراعاتهم الكثيرة التي اخترعوها لأنفسهم الواحد تلو الآخر- لأنهم لم يكتفوا بأن يصوروا لأنفسهم التماثيل بدل الحق، ويكرموا المخلوقات – التي لم تكن من قبل- دون الله الحي- ويعبدوا المخلوق دون الخالق(رومية 1: 25، بل والأسوأ من الكل، حولوا مجد الله إلى الخشب والحجارة، والى كل الأشياء المادية والى الإنسان، بل ذهبوا إلى أبعد من هذا كما بيننا في الرسالة السابقة.

5- ولقد بلغ بهم الفجور أنهم تقدموا لعبادة الشياطين، ونادوا بها آلهة، متممين بذلك شهواتهم، فإنهم كما ذكرنا آنفا قدموا محرقات من الحيوانات العديمة النطق، وذبائح من البشر كما يلائمهم، منحدرين بخطوات سريعة وراء نزعاتهم الجنونية.

6- من أجل هذا كثر بينهم تعليم فنون السحر، وأضلت العرافة البشر في أماكن متعددة، وأصبح كل البشر ينسبون سبب ميلادهم، بل وجودهم إلى الكواكب وكل الأجرام السماوية، إذ لم يفكروا إلا في المنظور.

بالاختصار لقد أصبح كل شيء مشبعا بروح الكفر والاستباحة، وصار الله وحده وكلمته غير معروف رغم أنه لم يخف نفسه من نظر البشر ولا أعلن نفسه بطريقة واحدة فقط، بل على العكس أعلن نفسه لهم بأشكال منوعة وطرق عدة.

كتاب تجسد الكلمة – القديس أثناسيوس الرسولي